ابن حزم
723
الاحكام
وأما العانانية والعيسوية والسامرية فإنهم متفقون على إباحة أكله لهم . فتحرى هؤلاء القوم - وفقنا الله وإياهم - ألا يأكلوا شيئا من ذبائح اليهود فيه بين أشياخ اليهود لعنهم الله اختلاف ، وأشفقوا من مخالفة هلال وشماي شيخي الربانية وحسبنا الله ونعم الوكيل . ومن طريف ما وقع لبعضهم في هذا الباب ، وسمجه وشنعه الذي ينبغي لأهل العقول أن يستجيروا بالله عز وجل من مثله أن إسماعيل بن إسحاق قال في رجم النبي ص ) اليهوديين الزانيين ، إنما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم تنفيذا لما في التوراة ، ورأى هو من رأيه الفاسد أن يرفع نفسه عن تنفيذ ما فيها من الرجم على اليهود الزناة المحصنين إذا زنوا ، فصان نفسه عما وصف به نبيه صلى الله عليه وسلم . ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول الفاسد ، ومن هذا الاعتقاد ، فلو كفر جاهل بجهله لكان قائل هذا القول أحق الناس بالكفر لعظيم ما فيه . واحتج أيضا في ألا يقول الامام آمين إذا قال : * ( بسم الله الرحمن الرحيم ) * بأن موسى عليه السلام إذا دعا لم يؤمن وأمن هارون عليهما السلام فسماهما تعالى داعيين بقوله تعالى : * ( قد أجيبت دعوتكما ) * . قال أبو محمد : وفي هذا الاحتجاج من الغثاثة والبرد والسقوط والمجاهرة بالقبيح ما فيه ، لأنه يقال له قبل كل شئ ، من أخبرك أن موسى عليه السلام دعا ولم يؤمن ؟ وأن هارون أمن ولم يدع ، وهذا شئ إنما قاله بعض المفسرين بغير إسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومثل هذا لا يؤخذ إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن كافة تنقل عن مثلها إلى ما هنالك . فمن فاته هذان الوجهان فقد فاته الحق ، ولم يبق بيده إلا المجاهرة بالكذب وأن يقفو ما ليس له به علم ، أو أن يروى ذلك عن إبليس الملعون ، فإنه قد أدرك لا محالة تلك المشاهد كلها إلا أنه غير ثقة ، ثم يقال له : هذا لو صح لك ما ادعيت من أن موسى دعا ولم يؤمن ، وأن هارون أمن ولم يدع ، فأي شئ في هذا مما يبطل قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الامام : وإذا أمن فأمنوا وقول الراوي : أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الامام كان يقول إذا فرغ من أم القرآن في الصلاة آمين هذا ولعل موسى قد أمن إذ دعا ، ولعل هارون دعا إذ دعا موسى وأمنا ، أو أمن أحدهما ، أو لم يؤمن واحد منهما ، ونص القرآن يوجب أنهما دعوا معا بقوله